مسودة الدستور والنساء الفلسطينيات: بين التراجع والتنمية!!

     

    بقلم: نادر سعيد

    أستاذ علم الاجتماع ومدير برنامج دراسات التنمية - جامعة بيرزيت

    مقدمة

    لقد تميزت تجربة المجتمع الفلسطيني بدرجة عالية من النقاش والتفاعل حول العديد من القضايا المجتمعية ذات الأهمية، ونجحت الحركة النسوية، مع باقي عناصر المجتمع المدني والسلطة الوطنية،  في تحقيق العديد من الإنجازات في مضمار تطوير أوضاع النساء والتقدم نحو المساواة. وكانت المرأة الفلسطينية عنصرا فعالا على قدم المساواة في الحركة الوطنية والاجتماعية والتنموية الفلسطينية. وقد استطاع المجتمع الفلسطيني ، برغم الصعوبات والتحديات غير العادية، أن يحقق درجة عالية من التقدم في هذا المجال حيث ارتفعت معدلات التعليم بين النساء، وتزايدت مشاركة النساء في الحياة السياسية والحزبية وساهمت النساء بشكل مميز في عمل المؤسسات الأهلية والحكومية على حد سواء. وبرغم التقدم الكبير في حياة النساء إلا أن وضع المرأة الفلسطينية ما زال يتسم بدرجة كبيرة من التناقض، فما زالت معدلات الخصوبة بين النساء الفلسطينيات الأعلى في العالم، وما يترافق مع ذلك من أعباء إنجابية على المرأة وأعباء اجتماعية واقتصادية لا بد للمجتمع ككل أن يتحملها ويخطط من أجل تفادي كارثة تقترب في هذا المجال. وما زالت النساء الفلسطينيات يعانين من العنف وهو عنف مخالف لمبادئ الإنسانية والشريعة والقيم الفلسطينية الأصيلة، ولكن ذلك لم يمنع أن يتم قتل ثلاثين فلسطينية (شهيدة) بدافع ما يسمى بشرف العائلة، على مسمع ومرأى من كل الفعاليات القانونية والتشريعية والدينية التي لا تحرك ساكنا لوقف هذه المجزرة. وما زالت الكثير من القوانين، وخصوصا قانون الأحوال الشخصية، يميز بشكل صارخ ضد النساء.

     

    وفي هذا الوقت الذي يحتاج فيه المجتمع الفلسطيني لتفعيل كل طاقاته وإخراج ما يختزنه من موارد بشرية من أجل دحر الاحتلال وتحقيق التنمية، وفي نفس الوقت الذي تتقدم فيه مجتمعات العالم وتنتقل من مراحل التخلف التنموي والبشري إلى مراحل القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وفي نفس الوقت الذي تنتهي فيه العبودية ويتم فيه الحديث عن حقوق الإنسان، وضمن الواقع الفلسطيني الذي تجاوز الكثير من المراحل في نقاش أوضاعه المجتمعية بشكل متقدم، تأتي (مسودة الدستور الفلسطيني المقدمة للمجلس المركزي المنعقد في رام الله بتاريخ 9-1-2003) لتتناقض مع التقدم الحاصل في المجتمع الفلسطيني عبر العقود الماضية ومع الاعتراف الكوني بإنجازات ومشاركات النساء الفلسطينيات. وفي هذه العجالة أقوم بمناقشة جوانب محددة مرتبطة بكيفية معالجة مسودة الدستور المذكورة أعلاه لوضعية المرأة الفلسطينية (وقد يحدث على هذه النسخة تغييرات في أية لحظة)، ومن أهم النقاط في هذا المجال ما يلي:

     

    أولا: استثناء النساء

    بعد أن يقوم مقترح الدستور بوضع مادة حول الحقوق والواجبات المتساوية في المادة (23) والتي تنص على أن (الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة)، يقوم مباشرة باستثناء النساء من هذا الحق (في المادة 24 والتي سنأتي على ذكرها بالتفصيل) ووضع شروط مسبقة لإمكانية تمتع النساء بهذه الحقوق وممارستهن لهذه الواجبات. ونتساءل عن سبب مثل هذا الاستثناء، هل يفترض مقترح هذا البند أن النساء زائرات يقمن في فلسطين بشكل مؤقت أم مخلوقات غريبة حضرت من كوكب آخر، وهل ينسى بأن النساء الفلسطينيات هن أولا وأخيرا مواطنات؟

     

    ثانيا: الدور الطبيعي للمرأة

    يتفاجأ المطلع على النسخة المقدمة للمجلس المركزي ببعض النصوص المتعلقة بالنساء وخصوصا البند (24) الذي ينص على أنه (للنساء ذات الحقوق والحريات الأساسية التي للرجال وعليهن ذات الواجبات)، ولكن بشروط: (بما يتناسب مع دورهن الطبيعي) أولا (والحقوق التي تقرها الشريعة الإسلامية) ثانيا. إن مثل هذا النص يعبر عن العديد من الإشكاليات الحقيقية والتي تتناقض مع مبدأ المساواة وأبسط مبادئ التنمية:

    1. تمييز عنصري: مرة أخرى، فإن إفراد فقرة مثل هذه يعبر عن تمييز واضح ضد نصف المجتمع، هذا النصف الذي ينجب ويقوم بتربية النصف الثاني، وهو يعبر عن عقلية عزل وتفوق، فلماذا يتم تخصيص النساء من خلال التمييز ضدهن؟ ولماذا لا يكون للنساء والرجال (جميع الفلسطينيين) نفس الحقوق والواجبات أمام القانون؟ إن مثل هذا التمييز قائم في جوهره على افتراض لا يتناسب مع المجتمع الفلسطيني أو متطلبات وحقائق القرن العشرين، افتراض خاطئ بأن النساء (أقل إنسانية من الرجال، وبالتالي أقل أحقية). ونحن نقول أن النساء والرجال لديهم الإنسانية الكاملة وبالتالي لا بد من أن يتمتعوا بالحقوق الكاملة والمتساوية؟

    2. طبيعة المرأة وأدوارها: تتحدث المادة (24) (عن دور النساء الطبيعي)، وليس من الواضح ما هي المعطيات العلمية أو الاجتماعية أو النفسية التي استند عليها واضع هذه الفقرة، وما هو تعريفه لمثل هذا الدور الطبيعي؟ وحتى لو افترضنا اختلاف (الطبيعة) بين النساء والرجال، فهل هذا يبرر التمييز في هذا العصر وهذا الزمان في القانون؟ ودعوني أذكر هنا بعض الحقائق الأساسية التي اعتقدنا أنها أصبحت جزء من المعرفة العامة:

     

    - مسؤولية كبيرة وإنتاج اجتماعي

     

    إن الدور (الطبيعي) الوحيد الذي تتميز به النساء هو الدور الإنجابي - البيولوجي وهو دور وهبه الخالق للنساء ومسؤولية كبيرة ميز بها النساء على الرجال. وإن كان هذا هو المقصود بالدور الطبيعي للنساء فإنه من (الطبيعي) إذا أن يتم وضع دستور يعطي النساء حقوق تتناسب مع هذه المسؤولية الجبارة التي خص بها الخالق النساء، وإجراءات تخفف من عبأ هذه المسؤولية التي من خلالها تقدم النساء مشاركة أساسية في (الإنتاج الاجتماعي) الذي يوفر للمجتمع الأبناء والبنات، والقوى العاملة، ويوفر على المجتمع ورجاله ونظامه الاقتصادي عبأ ماليا هائلا من خلال التربية، والقيام بالأعمال المنزلية التي لولا القيام بها لدفع المجتمع ثمنا باهظا، لا تستطيع حتى الدولة بكافة مؤسساتها التكفل به. ولذلك فإن دور المرأة الإنجابي هو (إنتاج - دور مجتمعي) لا بد للدولة أن تجد آليات لتقييمه وإعطائه الاهتمام الكافي وذلك لحيويته للمجتمع، فهو يعبر عن رأسمال بشري تنتجه النساء (بدون مقابل) للمجتمع والاقتصاد والدولة.  وحيث أن هذا الدور الإنجابي يتطلب جهدا ويستنزف طاقة كبيرة من النساء، وبهذا المعنى لا يستطيع أي رجل أن يقوم به، فإن التشريعات يجب أن تجد آليات وتسهيلات تجعل حياتهن كمنجبات وأمهات ومربيات أسهل قليلا من حياة (الشقاء) التي تعيشها الكثيرات من النساء.

     

    - دور إنجابي للرجال أيضا

     

    وإذا كان الدور الإنجابي البيولوجي هو هبة من الله للنساء، فمن قال أن الدور الإنجابي بالمعنى الشامل مقصور على النساء، فلماذا لا يتم وضع الإجراءات اللازمة لتشجيع الرجال على القيام بأدوارهم الإنجابية من لحظة قرار الحمل إلى العناية بالأم الحامل ومتابعة الفحوص والتغذية والعناية بالأم عند الولادة والمشاركة الفعالة في العناية بالطفل والتربية والقيام بالأعمال المنزلية. أليس هذا هو الشيء الطبيعي؟ أليس من الطبيعي أن يشارك الرجال في الدور الإنجابي بالمعنى الاجتماعي الشمولي؟وما الذي يمنع أي رجل من القيام بذلك؟ ولماذا لا يقوم القانون بالتدخل بهذه (الخصوصيات) كما يتدخل بخصوصيات النساء وتفاصيل حياتهن؟ وفي حقيقة الأمر، فإنه برغم أن بعض الرجال يساهمون بفعالية بالقيام بالدور الإنجابي - الأسري، إلا أن النساء يقمن بهذا الواجب المقدس بشكل أساسي، فهن المنجبات والأمهات والمربيات، وأعتقد أننا نتفق أن "الجنة تحت أقدام الأمهات". فإذا كان الأمر كذلك: أليس من الأولى أن ينصف الدستور والقانون النساء في الحياة الدنيا!!

     

    - معاقبة النساء

     

    إن استخدام الدور الطبيعي بالمعنى التقليدي، يشكل عقوبة للنساء كأمهات ويساهم في تنفير النساء من القيام بهذا الدور ويضع وصمة سلبية عليه، مما يشكل تهديدا للأسرة والمجتمع ككل. والمنطق الذي تقوم عليه مسألة (الدور الطبيعي) المنصوص عليها في الدستور تعبر عن منطق مقلوب على رأسه، فنحن نعاقب النساء لقيامهن بأسمى الأدوار وهي تلك المتمثلة بالأمومة والأسرة. ونقترح بدلا من ذلك أن تستثمر المداخلات المتعلقة بالدور الطبيعي كمبرر للتمييز المتكافئ الذي يضع الأمور في نصابها ويعيد الحقوق الطبيعة للنساء.

     

    - الواقع الفلسطيني يدحض مقولة (الدور الطبيعي)

     

    وبغض النظر عن المنطق والقناعات الشخصية، فإن الواقع يدحض مثل هذه المداخلات المتعلقة (بالدور الطبيعي للنساء)، فلننظر للواقع الاجتماعي المعاش لنجد الحقائق التالية:

     

    1. تضاعف تعليم النساء الفلسطينيات خلال العقود الأربعة الأخيرة أكثر من عشر مرات، وأصبحت معدلات الالتحاق في المدارس والجامعات المحلية شبه متساوية بين الذكور والإناث.

    2. تعمل النساء الفلسطينيات في كافة مناحي الحياة، فمهن المهندسات والطبيبات ومدرسات الجامعات وصاحبات الأعمال والسفيرات والوزيرات وعضوات المجلس التشريعي والأديبات والمديرات والإعلاميات، فلا أدري أي من هذه لأدوار هي (الطبيعية للنساء) حسب من صاغ هذه الفقرة.

    3. وحيث أن الدستور يضمن حقوق كافة المواطنين، فإنه يجب التنبيه إلى أن أكثر من ربع الأسر الفلسطينية تعولها (ترأسها وتنفق عليها) نساء (دور طبيعي أخر للنساء!!)، وتساهم النساء في إعالة ربع الأسر الأخرى بشكل مباشر. أما باقي النساء فهن يعلن الأسر بطرق غير محسوبة بالورقة والقلم فهن من يوفر ويدير مال الأسرة، ومن يضع القرش جانبا لبناء بيت الأسرة، ومن يزرعن في (الحاكورة) لمساعدة الأسرة للاكتفاء الذاتي، ومن يفلحن الأرض ويحافظن عليها، ومن يخطن الثياب ويطرزن، ومن يخزن (المونة) لأيام الشدائد، ومن يبعن مصاغهن ويتنازلن عن مهورهن من أجل تدبير أمور الأسرة أثناء الأزمات الاقتصادية، وهن من يعمل في الخدمة المنزلية (سرا) لوضع الطعام على طاولة الأسرة (حين لا يجرؤ الرجال على مثل هذا العمل)، وهن من يقطع الحواجز للعمل في المزارع القريبة حين لا يتجرأ (ولا يستطيع) الرجال القيام بذلك بسبب العنف الإسرائيلي. إن قائمة الأعباء الحياتية التي تتحملها النساء في مجال إعالة الأسرة تطول وتطول. وبناء على لذلك، فإن الدستور  يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الأعباء الإضافية التي تقوم بها النساء في كافة مجالات الحياة وقدرتهن على التكيف والعطاء في وقت الأزمات الوطنية والأسرية.

     

    4) برغم أن الإحصاءات الرسمية تظهر أن مشاركة النساء في قوة العمل (الرسمية)، أي مقابل أجر في السوق (الرأسمالي) تصل إلى 12 %  وهي نسبة منخفضة بالمقارنة مع باقي أقطار العالم، إلا أن عمل النساء في الإنتاج الاقتصادي يذهب في غالبه غير محسوب أو مقدر، وحسب الدراسات الدولية والتقديرات المحلية فإن مشاركة النساء في سوق العمل (غير الرسمي - غير المأجور)  يزيد عن 50%، وهذا يعني إنتاجا اقتصاديا حقيقيا للمجتمع ولكن بدون أجر أو حقوق تتناسب مع هذه المشاركة، مما يؤثر سلبا على القوانين المتعلقة بالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي والتقاعد ومخصصات البطالة والشيخوخة، أي أن النساء برغم ما يقدمنه للمجتمع في مجال الدور الإنجابي - الأسري والدور الإنتاجي والدور الاجتماعي، يحرمن من حقوقهن كمواطنات عند الشيخوخة أو في حال المرور بأزمة حياتية.

    5) وما ذا عن الدور (الطبيعي) للنساء في النضال والثورة الفلسطينية، فهل يعرّف واضعو مسودة الدستور هذا الدور ضمن الدور الطبيعي؟ أم أنهم يعتبرونه دورا استثنائيا تدفع النساء استحقاقاته، ولكن عندما تأتي المسألة للحقوق يتم التغاضي عن هذا الدور، وهل نحتاج في هذا المقام لتعداد الشهيدات والجريحات والسجينات والفدائيات والمناضلات والمرابطات؟ 

     

    - مداخلة (الدور الطبيعي) والرسائل المبطنة

    إذا كان الدور الطبيعي للنساء يستدعي أن ينص الدستور صراحة على أنه على المرأة أن تلتزم بدورها الطبيعي، ويتم على أساس ذلك تقنين حياتها من خلال الشريعة (ويستثنى الرجال من ذلك)، فإنه من خلال ذلك يعطي الرجال القوة والشرعية للتحكم بالنساء وخصوصا في مجال الأحوال الشخصية (أو الأسرة)، وهو أيضا يقدم شيكا مفتوحا للرجال في مجال الحرية الشخصية، وفي نفس الوقت أدوات للتحكم بالنساء، وإبقائهن في (موقعهن الطبيعي) من خلال (كبح جماح غرائز المرأة ورغباتها وهوائيتها!). إن مثل هذا الافتراض المختبئ خلف هدر حقوق النساء، لهو عنصر مستفحل في الثقافة السائدة، والتي تفترض أن المجتمع لا بد أن يفعل كل ما بوسعه لكبح جماح النساء والسيطرة على (الشيطان فيهن). وإن كنت أعتقد أن من وضع البنود المتعلقة بهذا الموضوع في مسودة الدستور لا يفترض ذلك بالمعنى المباشر، ولكن يجب أن ينظر كل منا في حصيلة التربية السائدة ومدى تأثيرها على لنفوس واللاوعي.

     

    ثالثا: الكيل بمكيالين

    أما بالنسبة للفقرة الخاصة المنصوص عليها في البند (24) فيما يتعلق بحقوق النساء (التي تنص عليها الشريعة)، فإن الدستور المقترح يقوم بتطبيق الشريعة على النساء وليس على الرجال! إن مثل هذه الصياغة المقترحة منافية للمنطق والواقع، فلماذا ينص الدستور على حقوق وواجبات للمرأة حسب الشريعة، بينما يخرج الرجل من دائرة هذا الإلزام؟ فهل الدين والشرع جاء ليطبق على النساء ولا يطبق على الرجال؟ هل هذا هو منطق الدين (الحديث) الذي خرج به علينا واضعو الدستور؟ وهل يتناسى هؤلاء أن (النساء شقائق الرجال لهن ما لهم وعليهن ما عليهم)؟ وأن الناس خلقوا سواسية كأسنان المشط؟ وهل تناسوا أن ظهور الأديان جاء من أجل إسعاد البشر وليس من أجل إسعاد جزء منهم على حساب جزء أخر؟ وهي نفس الأديان التي تعاملت في حينه مع الواقع المعاش كما هو في محاولة لتغييره ولم تضع شعارات لا يمكن تطبيقها. وهل تناسوا أن القانون والدستور يجب أن يتعامل مع الواقع الاجتماعي الحقيقي والظواهر والمشكلات الاجتماعية كما هي بدون الانجرار وراء شعارات لا يمكن تطبيقها في الواقع المعاش وهي غير مطبقة أصلا، وإذا تم تطبيقها فهي لا تحل المشكلة الواقعية؟؟

     

    وأريد أن اسأل واضعي هذا الدستور، هل يتزوج غالبية الرجال في الوقت الحاضر زوجة ثانية وثالثة ضمن أصول الشريعة؟ أم يتزوجوا من أجل إشباع نزوات (رجولية) أم من أجل إظهار الجاه والمال أم من أجل مماحكة الزوجة الأولى وقهرها وإحكام السيطرة عليها أم لأنهها لا تنجب أطفال ذكور؟ وهل يطلق الرجال زوجاتهم ضمن متطلبات الشريعة ومقتضياتها؟ وهل ترث أغلب النساء حقوقهن حسب الشرع؟ وهل كل من يستخدم الشريعة لصالحة في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال هو متدين أو حتى قريب من الدين؟ فلماذا توضع الشريعة في يد رجال لتحقيق مصالحهم وهم لا يلتزمون بها في غالبية مناحي حياتهم، فيعودون لها عندما يريدون استغلاها من أجل تحقيق رغباتهم ونزواتهم غير المحدودة؟ وإذا كان المقصود هو التأكد من سلامة المجتمع على المستوى الأخلاقي فإن القانون يجب أن يضع القوانين الصارمة وكل ما في الشريعة أو غيرها من المرجعيات لوضع الرجال عند حدهم، فالعديد من الرجال يخرقون كل ما في الشريعة من قوانين وأخلاق وتشريعات، وغالبية من يقتل ويعنف النساء والأطفال هم من الرجال، ومن يستغلون حقوق العمال ومن يسرقون مقدرات الشعب ومن يستخدمون المؤسسات لمصالحهم الخاصة في غالبيتهم الساحقة من الرجال. الرجال في الواقع الاجتماعي يتمتعون بحرية شبه مطلقة (وليس النساء)، ويسيء العديد منهم استخدام هذه الحرية. فلنعد للمنطق والعقل، ولنحدد من هو الذي بحاجة لتشريعات أقوى ومحددات أكبر.

     

    والسؤال الأهم لماذا يتم المطالبة بتطبيق الشريعة عندما تأتي لحقوق النساء، بينما لا يتم ذلك في كافة مناحي الحياة الأخرى، كالاقتصاد والسياسة والبنوك؟ وهل من الممكن تطبيق جزء بمعزل عن تطبيق باقي الشروط التي يمكن من خلالها ضمان تطبيق عادل في هذا المجال؟

     

    وهل تناسى واضعو الدستور أن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع تعددي فيه المسيحيون والمسلمون،  وفيه المتدينون والعلمانيون والفصائل الوطنية واليسارية، وهم جميعا كانوا، وما زالوا، يشكلون العصب الأساسي للثورة الفلسطينية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، وهم من حقهم أيضا أن ينظموا أمورهم الشخصية بدون فرض من أي طرف وضمن الطريقة التي يرونها هم مناسبة وليس بحسب تفسيرات أشخاص هم غير مقتنعون بهم أصلا. ولذلك فإن ما نحتاجه هو دستور واحد وقانون واحد لكل الفلسطينيين،  فمن حق كل الفلسطينيين (أي كانوا رجالا أم نساء أغنياء أم فقراء مسلمين أم مسيحيين متدينين أم علمانيين وبغض النظر عن توجههم السياسي) أن يتمتعوا بكل الحقوق وأن تقع عليهم كل الواجبات.

     

    رابعا: نقترح حقوق المواطنة أولا

    وأخيرا فإن حقوق النساء يجب أن تنطلق من كونهن مواطنات - فلسطينيات - مناضلات - أمهات - عاملات - منتجات - صانعات للتاريخ والثقافة. كما أن حقوق النساء هي أولا وأخيرا حقوق إنسان، وهي أيضا ضرورة حيوية للتنمية في فلسطين، فبعد أن تقدمنا ووصلنا إلى ما وصلنا إليه في مجال المساواة بين النساء والرجال، يريد واضعو مسودة الدستور إعادتنا إلى منطق العصور الحجرية والعهود المظلمة من خلال نصوص غير مجدية وغير تنموية.

     

    إن أي استثناء للنساء يجب أن يقوم على مبدأ (التمييز المتكافئ)، الذي يهدف إلى التخلص من التمييز ضد النساء في مجالات الحياة المختلفة وتعويضهن عن سني التخلف والسيطرة والمعاناة التي يعشنها في ظل عادات وتقاليد ما زالت تنخر في مجتمعنا. ويقوم مبدأ التمييز المتكافئ أيضا على تقديرا لمشاركة الحقيقية للنساء في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إن مثل هذا التمييز يتطلب عملا حثيثا وبرامج تدخل تقوم عليها الدولة والمؤسسات الأهلية من أجل تطوير وضع النساء وإعادة حقوقهن الإنسانية والطبيعية لهن. كما أن تطبيق مبدأ التمييز المتكافئ هو وجهة نظر تنموية يتم من خلالها  إخراج المجتمع ككل من حالة التخلف الذي يعيشه، فتعليم النساء وإنجاز كافة حقوقهن الإنسانية سيكون فيه منفعة للأسرة والمجتمع ككل.

     

    ولذلك كله، فإننا نقترح التالي:

    1) الاستفادة من الحوار الفلسطيني الغني حول وضعية النساء والذي تم خلال السنوات السابقة، وطرق أبوب الحركة النسوية والمدنية والتي تقوم بالتحرك في هذا المجال.

    2) إلغاء القسم الأول من المادة  (24)  والذي ينص على أنه  (للنساء ذات الحقوق والحريات الأساسية التي للرجال وعليهن ذات الواجبات بما يتناسب ودورهن الطبيعي والحقوق التي تقرها لهن الشريعة الإسلامية).

    2) تعديل القسم الثاني من نفس المادة بحيث يصبح أكثر وضوحا على النحو التالي (تفعيل المساهمة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية حق وواجب على الرجال والنساء سواء، وتلتزم الدولة بالعمل من خلال القانون والمؤسسات على إزالة القيود التي تمنع المرأة من المشاركة في بناء الأسرة ولمجتمع، ودمج الرجال في الحياة الأسرية بشكل يحافظ على الأسرة ووحدتها وسعادتها).

    3) تعديل المادة (25) من خلال إلغاء العودة لقانون الجنسية الفلسطيني لسنة 1925 بشكل يضمن أن يكون لكل فلسطينية (كما لكل فلسطيني أو عربي) الحق في إعطاء الجنسية إلى الأبناء بشكل متساو مع الرجال.

    4) أما بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية (الأسرة) فيجب أن يستند على كل مرجعية تحقق المساواة الكاملة بين النساء والرجال بدون أي تمييز وبحيث يتم إنصاف كافة النساء بغض النظر عن الدين أو التوجه الفكري ودائما كمواطنات كاملات الأهلية،ويتم إخراج النساء من تحت رحمة أهواء بعض الرجال ورحمتهم (أو قسوتهم). فلا بد أن يعمل الدستور والقانون ومؤسسات الدولة على حماية كافة المواطنين (المواطنات) من كل أنواع العنف، هذا حق للنساء وليس فقط مطلب. ولا بد أيضا من العمل على حماية إضافية لأكثر النساء تعرضا للانتهاك، فأصل القانون أن يحمي المجموعات المنتهكة، وفي الواقع الفلسطيني حقوق النساء ما زالت مهدورة، وبالتالي من الأولى بواضعي الدستور أن ينتبهوا إلى دورهم التاريخي في تطوير أوضاع النساء وتحقيق المساواة بينهن وبين الرجال، وعدم الاكتفاء برفع شعارات طيبة في أصلها ولكن تستخدم في باطل، فالأصل هو تطوير أوضاع النساء، وحماية الضعيف، وتفعيل كافة المصادر البشرية الفلسطينية من أجل تحقيق التنمية ليس فقط للجيل الحالي بل للأجيال المقبلة.

     

    وأولا وأخيرا، فليس من حق أي مشرع (رجلا كان أم امرأة) أن يضع قوانين تميز ضد أي فلسطيني، وخصوصا أن الدستور نفسه في مادته (23) يقر بأن (الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء في الحقوق والواجبات. ولا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الرأي السياسي أو الإعاقة)، وذلك من أجل العيش بكرامة للجميع في "دولة لكل مواطنيها".