الاستاذ
جمال محمد الجعبي
هذه ليست دراسة بالمفهوم العلمي، كما
أنها ليست بحث ميداني في واقع الغياب
الواضح للمشاركة السياسية للمرأة في
المجالس المحلية، والمجلس النيابي
كذلك،وليس من المنطق مناقشة الجوانب
التشريعية والنصوص في ظل عدم وجود
اختيار أو اختبار جدي للنصوص من
الأساس، وما يزيد الأمر صعوبة أن غياب
التشريع يعود في أسبابه إلى انعدام
الإرادة السياسية في إحداث فعل ايجابي
يحقق المشاركة السياسية للمرأة،ومن
الواضح ان انعدام الارادة السياسية
ليس محصوراً في طرف من اطراف المنظومة
السياسية دون غيره، بل ان الجميع
يشارك في غياب الارادة السياسية
فالمسئولية يتحملها جميع الأطراف،
والحديث عن الاحزاب هنا لا يتعلق
بالحزب الحاكم ولكن احزاب المعارضة
التي تشترك مع الحزب الحاكم ومثلهم
الحكومة في انعدام الارادة السياسية،
وهنا عندما نحمل اطراف المنظومة
السياسية مسئولية انعدام الارادة
السياسية يبرز العامل الثقافي بما
يمثله من مرجعية تحكم الاطراف،
فالعامل الثقافي يزداد وضوح من خلال
عدم الشعور بالضرورة او بعبارة اخرى
تسقط هذه الاطراف من حسابها التكلفة
التي تترتب على غياب المشاركة
السياسية للمرأة.
** اثر غياب المشاركة على التنمية:
وإذا كان الفكر التنموي الحديث يربط
بين التنمية البشرية وحقوق الانسان،
وحيث ان التمكين السياسي للنساء من
الحقوق الانسانية التي كفلتها
الاتفاقيات والمواثيق الدولية فإنه
ينتج عن غياب المشاركة السياسية
للنساء غياب لحق من حقوق الانسان
وبالتالي ينعكس بدوره على التنمية
البشرية، فالنساء باعتبارهن ضمن مكون
العامل الاجتماعي فإن تغييبهن عن
المعادلة السياسية ينعكس على العامل
الاقتصادي وهنا فإن اطراف المنضومة
السياسية اليمنية لا يشعرون بالاهمية
الاقتصادية وهي الركن الثالث في اركان
البناء الذي يتكون منه البلد بجانب
البعد الاجتماعي السياسي. وكما يقول
د.عادل الشرجبي " ان نجاح وكفاءة
استراتيجيات وبرامج التنمية البشرية
يتوقف على مدى ما توفره من امكانيات
لتطوير رأس المال البشري، وتهيئة
الظروف الاجتماعية الاقتصادية
والسياسية والثقافية الملائمة لتطوير
قدرات الانسان واحترام وضمان الحريات
الاساسية التي يحتاجها الرجال او
النساء من اجل تحقيق نمط الحياة التي
يرغبون فيها، وتجعلهم قادرين على
زيادة وتحسين انتاجيتهم...ذلك ان
الفقر البشري في الغالب لا يرجع الى
عوامل اقتصادية بقدر ما يرجع لعوامل
ثقافية اجتماعية وفي مقدمتها
اللامساواة الرأسية والافقية...حرمان
بعض الفئات الاجتماعية من القوة ومن
المشاركة في عمليات صناعة القرار" ((
الكلفة الاجتماعية للعنف العائلي
الموجه ضد النساء في اليمن صـ27))
وعليه فإنه وبدون ان تدرك النخبة
السياسية اليمنية التكلفة الاقتصادية
التي يتسبب بها انعدام المشاركة
السياسية للنساء ستظل مستمرة في تغييب
هذه القضية عن اجندتها الرئيسية في
العملية السياسية.
وعندها فإن الصعوبات التفصيلية في
ميدان الانتخابات تحصيل حاصل يعبر عن
أعراض المشكلة ولكنه لا يبحث في
أسبابها.
إذاً..بين الإرادة الغائبة والنص
الغائب تقف عوائق اجتماعية واقتصادية
وسياسية تجعل انخراط النساء في
المجالس المحلية قضية أكثر تعقيداً
وأكثر صعوبة.
لذلك..فإن ما تحويه هذه الورقة عبارة
عن قراءة تسلط الضوء على الاتجاه الذي
يمكن التركيز عليه للوصول إلى إرادة
سياسية تكون هي المدخل إلى التشريع
الذي يكفل مشاركة حقيقية للنساء في
القرار السياسي من خلال المجالس
المنتخبة.
** في الميدان:
ترتبط المشاركة السياسية بالحقوق
بمستوياتها المختلفة، ومن هنا فقد
صارت المشاركة السياسية من أهم عناوين
المواطنة، وحيث أن اقتران المواطنة
بالمشاركة السياسية يستمد مشروعيته في
الدستور ومما أقرته المواثيق
والاتفاقيات الدولية، فإنه بالقدر
الذي تتحقق المشاركة السياسية يمكن
الحديث عن مقومات مواطنة وحقوق
الإنسان، و في اليمن نجد أن لدينا شيء
من المساواة النسبية على مستوى النصوص
القانونية لكن غالباً ما نجد حديث عن
الموروث الثقافي والاجتماعي وغياب
للإرادة السياسية في تحرير المرأة من
هذه القيود مما ساهم في ضعف المشاركة
السياسية للمرأة اليمنية.وحول النصوص
إلى حجاب تتخفى وراءه الإرادة
السياسية الغائبة.
و قد قدم الباحث نبيل عبدالحفيظ ماجد
دراسة ميدانية حول مشاركة النساء
المجالس المحلية ضمن أنشطة منتدى
الشقائق العربي لحقوق الإنسان ومن
خلال الدراسة وضع جملة من الصعوبات
التي تواجه النساء أثناء الانتخابات
المحلية بمراحلها السابقة والمصاحبة
للانتخابات أي فترة الترشيح وحتى يوم
الاقتراع والفرز وإعلان النتيجة، ومن
الصعوبات التي انتهت إليها الدراسة:
1- صعوبات مالية.
2- صعوبات المنافسة الحزبية.
3- صعوبات التواصل مع الناخبين.
4- ضعف التجربة الشخصية.
5- عدم وجود تدريب وتأهيل للمرشحات.
6- النظرة التقليدية الاجتماعية.
7- الترشيح المتأخر.
8- التوزيع الجغرافي للسكان في
المناطق القروية.
ويلاحظ أن الدراسة خرجت بأسباب حقيقية
للصعوبات التي تواجه النساء في
الانتخابات ولكن لم يرد بين هذه
الأسباب مشكلة تشريعية يمكن وصفها
بالمعيقة للتمكين السياسي، سواء بوجود
نص قانوني معيق يحتاج تعديل أو نص
قانوني يحتاج إلغاء وهذا الغياب
للمشكلة التشريعية لا يعني أن هناك
قصور في الدراسة الميدانية ولكن من
الواضح أن المشكلة التشريعية تعود إلى
غياب الإرادة السياسية وهو ما تطرقت
إليه الدراسة عند مناقشة الجوانب
القانونية للمشكلة مما يعني ان النص
التشريعي لم يوضع على محك الاختبار
العملي حتى نكتشف هل هو معيق للتمكين
السياسي للمرأة ام لا كما كان عليه
الحال في تجربة المشاركة السياسية
للمرأة في الكويت، وبالتالي فالمشكلات
التي توجه المرأة في الميدان ليس من
بينها مشكلة اسقاط التشريعات على
الواقع العملي في ظل غياب التوازن
والتكافؤ في بقية الجوانب.
وقد جاء تقرير البعثة الأوربية
للرقابة على الانتخابات الرئاسية
والمحلية سبتمبر 2006م ليناقش مشكلة
المشاركة السياسية للمرأة ويصل إلى
نتائج لم تبتعد كثيرا عن التي وصلت
إليها الدراسة التي أعدها منتدى
الشقائق فيما يتعلق بالمشكلة الرئيسية
والمتمثلة بالنظام الانتخابي الذي
لايحقق المشاركة السياسية للنساء وكذا
الأعراض التي نتجت عن المشكلة.
حيث يصل التقرير إلى حقيقة أن المرأة
اليمنية استثنيت " بشكل شامل من
انتخابات 2006م وقد قوضت هذه الحقيقة
بشكل كبير من عمومية وعدالة العملية
الانتخابية والتي هي معايير أساسية
للانتخابات الديمقراطية حيث انه
وبالرغم من أن الإطار القانوني الواسع
قد وفر أسس متينة للمشاركة المتساوية
إلا انه لم تبذل أي محاولات لضمان
تنفيذ هذه الأسس بالشكل الصحيح وحماية
هذه الحقوق" ويصل التقرير إلى نتيجة
مفادها أن " تعزيز الدور الهامشي
للمرأة في السياسة اليمنية بنتائج
انتخابات المجالس المحلية حيث كانت
نسبة المرشحات الفائزات تعادل
0.5بالمائة فقط من إجمالي الفائزين" .
وبهذا فتقرير البعثة الأوربية يؤكد
على واقع غياب المشاركة السياسية
للنساء في المجالس المحلية ويصل إلى
نتيجة مفادها أن العملية الانتخابية
غير مكتملة وناقصة بسبب التغييب
للنساء.
** المصادر التشريعية لحق النساء في
المشاركة السياسية:
تستمد المشاركة السياسية للنساء
مشروعيتها من الدستور والاتفاقيات
والمواثيق الدولية ثم من القوانين
والتشريعات الوطنية.
الجزء الأول : إذا تحدثنا عن الدستور
اليمني فسنجد انه يتحدث عن مساواة بين
الرجل والمرأة فيما يتعلق بالحقوق
السياسية ولا تخرج قواعده العامة عن
هذه المساواة رغم ان نصوص الدستور
جاءت في صياغة لم تضع تعريفاً حاسماً
للمقصود بالمواطن بحيث يتم حسم
التعريف بشانه فيقصد به الرجل والمرأة
كأن يكون "المواطن والمواطنه"- " يمني
ويمنية"، وعليه فإنه يمكن وضع مقدمة
في الدستور تتضمن هذا التعريف لتحقيق
ازالة اي لبس يمكن ان يعترض التعامل
على قدم المساواة بين المرأة والرجل
في الدستور.
وعند الاطلاع على بقية نصوص الدستور
نجد أن المادة (24) تنص على انه "
تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع
المواطنين سياسياً واقتصادياً
واجتماعياً وثقافياً ، وتصدر القوانين
لتحقيق ذلك"
كما تنص المادة (31): النساء شقائق
الرجال ، ولهن من الحقوق وعليهن من
الواجبات ما تكفله وتوجبه الشريعة
وينص عليه القانون.
والمادة (41): المواطنون جميعهم
متساوون في الحقوق والواجبات العامة.
والمادة (42): لكل مواطن حق الإسهام
في الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية ، وتكفل الدولة
حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول
والكتابة والتصوير في حدود القانون .
والمادة (43): للمواطن حق الانتخاب
والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء،
وينظم القانون الأحكام المتعلقة
بممارسة هذا الحق.
وهذه المواد تمثل عنصر المساواة لكنها
لا تقدم تمييز ايجابي يساعد المرأة
على الحصول على حقها في المشاركة
السياسية وفق ما تنص عليه اتفاقية
القضاء على كافة أشكال التمييز ضد
المرأة.
ورغم أن الدستور يحتوي على هذه النصوص
غير أن ما يتعلق بترشح المرأة لمنصب
رئاسة الجمهورية فإن المرأة تواجه نص
يمكن اعتباره تمييزي ضدها ويكشف عن
الصياغة الذكورية للدستور حيث تنص
المادة (107) من الدستور على انه " كل
يمني تتوفر فيه الشروط المحددة فيما
يأتي يمكن أن يُرشِّح لمنصب رئيس
الجمهورية:-.. هـ / أن لا يكون
متزوجاً من أجنبية وألا يتزوج أثناء
مدة ولايته من أجنبية" ورغم ان هذا
الموضوع لم يتم اثارته أثناء تقديم
الطلبات من الراغبات في الترشح وتم
قبول ملفات النساء المتقدمات للترشيح
في الانتخابات الرئاسية 2006م لكن هذا
لا يمنع من القول بوجوب تغيير هذا
النص بما يمنع أي محاولة لحرمان
المرأة من حقها في المشاركة في الترشح
لمنصب رئاسة الجمهورية كما انه من
المهم ازالة العوائق التي تحول دون
مشاركة المرأة في هذا الجانب ومن ذلك
ما تنص عليه المادة (108) من الدستور
التي تشترط أن " تعرض أسماء المرشحين
الذين تتوفر فيهم الشروط في اجتماع
مشترك لمجلسي النواب والشورى للتزكية.
ويعتبر مرشحاً لمنصب رئيس الجمهورية
من يحصل على تزكية نسبة خمسة في
المائة (5%) من مجموع عدد الأعضاء
الحاضرين للمجلسين وتكون التزكية
بالاقتراع السري المباشر." حيث ان
اشتراط حصول المرأة على التزكية اسوة
بالرجل يتجاهل صعوبات اجتماعية
وسياسية تمنع المرأة من الحصول على
التزكية بنفس المقدرة التي يتيحها
المجتمع للرجل.
وبصورة اجمالية فإن الدستور بحاجة الى
تعديلات في هذا الجانب وفي مقدمتها
الأخذ بنظام القائمة النسبية بدلاً من
نظام الدائرة الفردية.
وحيث ان مواد الدستور تحيل الى
القوانين مهمة تنظيم الحقوق ووضعها
موضع التنفيذ، ولكن غالباً ما تكون
المشكلة في القوانين التي تضع قواعد
تفصيلية تنظم قواعد الدستور وكما يقال
فإن الشيطان يكمن في التفاصيل.حيث
يجري الانتقاص من الحقوق المكفوله
بالدستور من خلال ضوابط تأخذ شكل
القيود.
** الجزء الثاني: التشريعات الدولية
مثل العديد من الدول فإن اليمن وقعت
وصادقت على العديد من المواثيق
والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق
السياسية ومنها:
1-
ميثاق
الأمم المتحدة:
( 1945م).
2- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
الصادر بتاريخ 15ديسمبر 1948م.
3- الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق
السياسية للمرأة: (ديسمبر 1952م.)
تاريخ مصادقة اليمن 9فبراير 1987م .
4- العهد الدولي المتعلق بالحقوق
المدنية والسياسية ( 1966م) صادقت
عليه اليمن في فبراير 1987 .
5- اتفاقية القضاء على جميع أشكال
التمييز ضد المرأة (1979) تاريخ بدء
النفاذ: 3 أيلول/سبتمبر 1981، وفقا
لأحكام المادة 27 وصادقت عليها اليمن
في 1984م
لكن اليمن وحتى الآن لم تصادق على
البروتوكول الاختياري الملحق
بالاتفاقية. ويرى العديد من المختصين
أن هذا التأخر في المصادقة عامل سلبي
فيما يتعلق بالجدية لدى السلطة
ورغبتها في التمكين للنساء في مختلف
المجالات بما فيها مجال التمكين
السياسي.
وقد
نصت المادة(6) من الدستور اليمني على
انه " تؤكد الدولة على العمل بميثاق
الأمم المتحدة
والإعلان العالمي لحقوق الإنسان
وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد
القانون الدولي المعترف بها بصورة
عامة".
وبذلك فالدستور قد جعل من الاتفاقيات
والمواثيق الدولية المصادق عليها تحتل
مرتبة ادنى من الدستور واعلى من
التشريع الوطني.
وقد تضمنت هذه الاتفاقيات المذكورة
نصوص واضحة في المساواة والتمكين
السياسي للنساء.
لكن الحقيقة أن هناك فجوة كبيرة بين
مضمون الاتفاقيات والمواثيق الدولية
وبين الدستور والقوانين النافذة وتكون
هذه الفجوة اكثر وضوحاً فيما يتعلق
المشاركة السياسية للمرأة.
** مشكلة القانون:
عندما نتحدث عن القانون سنجد اننا
امام قانون مكتوب وآخر غير مكتوب،
المكتوب يتمثل في نصوص القوانين
بمختلف فروعها العام والخاص منها، اما
التشريع غير المكتوب فيتمثل بالعرف
الذي يمثل قوة تتجاوز نصوص القوانين
المكتوبة لاسباب كثيرة ليس هنا مجال
تفصيلها ولكن تأثير القانون العرفي
ينعكس على التعاطي مع قضية المشاركة
السياسية للمرأة وإذا عدنا الى
الاسباب التي ذكرناها في الدراسة التي
قدمها نبيل عبدالحفيظ سنجد ان الاسباب
تعود في حقيقتها الى الاعراف التي
تتمتع بقوة تتجاوز نصوص القانون.
أما القانون المكتوب فرغم انه يقر
مبدأ المساواة لكنه يفتقد إلى عنصر
هام في تكوينه وهو افتراض تكافؤ
الإطراف التي تتعامل معه فمن القواعد
الإنسانية المعروفة التي تتحدث عن
القانون هناك مقولة بأن القانون يفصل
بين أو ينظم العلاقة بين متكافئين
فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن تراكم
تاريخي من الموروث الثقافي والاجتماعي
والسياسي اخل بالتوازن والتكافؤ بين
المرأة والرجل وجعل الغلبة والقوة في
صالح الرجل دون مبرر سوى التمييز على
أساس الجنس، فإننا نكون أمام معادلة
مختلفة ومختلة حيث أننا نتحدث عن طرف
بيده القوة هو الرجل وطرف آخر محروم
من عناصر القوة هي المرأة، لذلك فإن
أي نصوص توضع ولا تراعي حقيقة عناصر
القوة بيد الرجل تتسبب بظلم فادح
للمرأة، ومن هنا وحتى لا يكون التحليل
عائم ودون دليل فإننا ندعمه بما يؤيده
من المصدر الثاني من مصادر المشروعية
وهو المواثيق والاتفاقيات الدولية حيث
أن المادة 4 من اتفاقية القضاء على
جميع أشكال التمييز ضد المرأة تؤكد
على إدراك المجتمع الدولي لحقيقة عدم
تكافؤ العلاقة بين الرجل والمرأة على
صعيد الواقع العملي لذلك فإن
المادة(4) نصت على انه" 1. لا يعتبر
اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة
مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة
الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزا
بالمعنى تأخذ به هذه الاتفاقية، ولكنه
يجب ألا يستتبع، على أي نحو، الإبقاء
على معايير غير متكافئة أو منفصلة،
كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى
تحققت أهداف التكافؤ في الفرص
والمعاملة" وأمام وضوح أن المشكلة
تكمن في انعدام التكافؤ في الفرص
والمعاملة فإن الحاجة تكون لضمان
التكافؤ في الفرص والمعاملة من خلال
الاتفاق على وسيلة تضمن ذلك ضمن غطاء
المشروعية الذي توفره الاتفاقية.
** قانون الانتخابات:
تظهر القراءة المتفحصة لقانون
الانتخابات العامة والاستفتاء رقم
(13) لسنة 2001م أنه يتضمن معوقات
أمام حصول التمكين السياسي للمرأة
خلافاً لما يتم التصريح به من أن
القانون يشجع المشاركة السياسية
للمرأة.
فإذا كانت المادة (2) الفقرة (ب) تعرف
المواطن بأنه كل يمني أو يمنية، لكن
العناية التي يوليها القانون للمرأة
لا تتعدى دورها كناخبة فقط حيث يتم
تشكيل لجان انتخابية نسائية تتولى
تسجيل وقيد اسماء الناخبات (م7) ولكن
عندما يتعلق الامر بالمشاركة السياسية
الكاملة للمرأة كناخبة لم يتحدث عنها
القانون وكأن المطلوب من المرأة ان
تكون صوت انتخابي فقط.
وعند تشكيل اللجنة العليا للانتخابات
لم تتضمن المادة(19) من القانون
اشتراط تمثيل المرأة في اللجنة العليا
وبقي احتكار موقع اللجنة العليا
للانتخابات للرجال بإستثناء وحيد في
اللجنة المشكلة قبيل انتخابات 1993م
عندما قدم الحزب الاشتراكي أمراة ضمن
حصته في اللجنة.
كما أن اشتراط المادة(58) حصول
المرشحين على تزكية ثلاثمائة من
الناخبين للمرشح في الانتخابات
النيابية يمثل عائق أمام المشاركة
السياسية للمرأة المستقلة، وإذا كانت
الصعوبات امام المشاركة السياسية
للمرأة الحزبية كبيرة فإن هذا الشرط
يمثل عائق كبير أمام المرأة المستقلة
وهي تمثل الاغلبية في المجتمع.
** قانون السلطة المحلية:
لا يتضمن قانون السلطة المحلية أي
تمييز ايجابي لصالح المرأة بما يحقق
لها مشاركة سياسية فاعلة في المجالس
المحلية.
كما ترى العديد من الدراسات القانونية
ومنها دراسة قدمها د.محمد على السقاف
حول قانون السلطة المحلية رقم (4)
لسنة 2000م أن القانون يتعارض مع
العديد من القوانين التنفيذية النافذة
فيما يتعلق بالعلاقة بين المجالس
المنتخبة والاجهزة التنفيذية في نطاق
المحافظات والمديريات.
بالاضافة الى جدل شديد حول عدم
ديموقراطية القانون الذي يجعل رئاسة
المجلس المحلي المنتخب سواء في
المحافظة أو المديرية الى المحافظ او
مدير المديرية وهما معينين من السلطة
التنفيذية (م2)،(39)،(81)، وليسا
منتخبين الامر الذي يجعل القرار بيد
السلطة الننفيذية ويفقد المجلس
المنتخب قيمته الفعلية عندما يراسه
شخص يتم تعيينه من السلطة التنفيذية
كما أن القانون يجعل السلطة التنفيذية
هي الحكم في النزاعات التي تثار في
المجالس المنتخبة.
وفيما يتعلق بالمرأه فإنه رغم
المشاركة المحدودة للنساء اللاتي يصلن
لعضوية المجالس المحلية فإنهن في
الغالب يحرمن من رئاسة اللجنة التي
يشكلها المجلس بموجب القانون ولم
يتضمن القانون نص يلزم المجالس التي
توجد فيها مرأة بتمكينها من رئاسة
لجنة على الاقل.
** مشكلة النظام الانتخابي:
بعد مناقشة وضع المرأة في القوانين
يمكن تلخيص مشكلة التمكين السياسي
للمرأة في انها تتركز في اليمن بغياب
الاراد ة السياسية للتمكين السياسي
للنساء من خلال تجاهل حقيقة انعدام
التكافؤ في الفرص والمعاملة، ويظهر
ذلك من خلال الإصرار على بقاء النظام
الانتخابي دون تطوير بما يلبي
احتياجات التطور الديمقراطي بما في
ذلك التمكين السياسي للنساء، وهنا
يمكن البحث في الخلل الذي يعتور هذا
النظام الذي يأخذ بنظام الدائرة
الفردية والفوز لمن يحصل على أعلى
الاصوات (الفائز الاول) والتي ينظمها
قانون الانتخابات العامة رقم (13)
لسنة 2001م ذلك ان هناك عيوب كثيرة في
هذا النظام تنعكس في أثرها على النساء
ويمكن إيرادها باختصار وهي:
1- يكرس هذا النظام النفوذ الاجتماعي
والفردي على حساب العمل السياسي
القائم على البرامج الانتخابية ويجعل
التزوير في النتائج وسيلة متاحة
للمشاركة السياسية وفي ظل عدم استطاعة
النساء المرشحات مجاراة المرشحين من
الذكور في هذا النوع من الممارسة فإن
المصير يكون نتائج متدنية للمشاركة
النسائية.
2- من خلال النتائج التي أظهرتها
الانتخابات خلال السنوات الماضية سواء
في الدوائر الفردية التي ينتخب فيها
شخص واحد في البرلمانية أو المحلية أو
مجموعة مرشحين في المحليات برزت بوضوح
حقيقة أن النتائج التي افرزها هذا
النظام لا تعبر عن نسبة الأصوات التي
حصلت عليها الأحزاب السياسية.
3- تراجع أداء ومشاركة الأحزاب
السياسية وهو ما ينعكس على المشاركة
السياسية للنساء باعتبار الأحزاب هي
البيئة الحاضنة الأكثر استقرار
للمشاركة السياسية عبر الانتخابات.
4- من عيوب نظام الدائرة الفردية انه
يكرس الولاءات والعصبيات والنزاعات
العشائرية والقبلية وهو ما يجعل
النساء اقل حظاً في المشاركة السياسية
لاعتماد المشاركة في هذه الحالة على
واقع اجتماعي ذكوري يظلم النساء
سياسياً.
5- تتجنب الأحزاب سواء في السلطة أو
المعارضة إتاحة فرصة كبيرة لمشاركة
النساء في الانتخابات وفق نظام
الدائرة الفردية الذي يعتمد فوز من
يحصل على اكبر عدد من الأصوات بسبب
الإمكانيات الذاتية للمرشحين، فالحزب
الحاكم تحكمه التحالفات التي داخله
مما يجعل الترشيح للأقوى، وأحزاب
المعارضة تجد نفسها مضطرة للبحث عن
شخصيات يمكن أن تنافس ولديها قوة دفع
ذاتي وتحتاج من الأحزاب إلى غطاء ودعم
محدود وفي المحصلة فإن النساء هن
الضحية في هذه الحالة. ذلك انه " عادة
ما تقل احتمالات ترشيح حزب ما لإمرأة
أذا كانت هيكلية الحزب يسيطر عليها
الرجال، وتطرح كافة الدلائل حول
العالم ان احتمالات انتخاب المرأة في
البرلمان تقل في نظم الاغلبية
التعددية عما هو عليه الحال في نظم
التمثيل النسبي.فلقد وجدت الدراسة
السنوية التي اعدها اتحاد البرلمانات
حول المرأة عام 1995م ان المرأة تشكل
في المتوسط11%من اعضاء البرلمانات
الديموقراطية الراسخة التي تستخدم
نظام (الفائز الاول) ولكن الرقم
يتضاعف الى 20% تقريباً في البلدان
التي تستخدم احد اشكال التمثيل
النسبي، وقد انعكس هذا النمط على
الديموقراطيات الجديدة وخاصة في
افريقيا" ((دليل المؤسسة الدولية
للديموقراطية والانتخابات حول اشكال
النظم الانتخابية صـ29 )).
6- يعاب على نظام الدائرة
الفردية(الفائز الاول) انه من أكثر
النظم كلفة مالية واستهلاكاً للوقت ،
وأكثرها تعقيداً على مستوى الإدارة ،
لما يتطلبه من رسم الحدود الانتخابية
للدوائر المنفردة العضوية ، وتسجيل
الناخبين في إطار حدود كل منها ،
والتعديلات الدائمة المطلوب إدخالها
وفقاً للمتغيرات السكانية ، وما يرافق
ذلك من إمكانية التلاعب في الحدود
الانتخابية أثناء التقسيم الانتخابي
الجغرافي للدوائر الانتخابية .
** مقترحات:
سيكون من المناسب البحث عن مقترحات
يتم استخلاصها من التجارب السابقة
والتي ظهرت من خلال عيوب النظام
الانتخابي وإفرازات الانتخابات، وقد
كان من ضمن التوصيات التي اقترحتها
بعثة الاتحاد الأوربي للرقابة على
الانتخابات الرئاسية والمحلية في
العام 2006م تحت بند إصلاح النظام
الانتخابي وضعت التوصية رقم(14) وأكدت
فيها على انه " يجب أن يؤخذ بعين
الاعتبار إجراء مراجعات تشاوريه حول
إصلاح النظام الانتخابي للانتخابات
النيابية والمحلية بحيث:
1- يتم توزيع المقاعد بطريقة أكثر
تمثيلاً لنسبة الأصوات المدلى بها.
2- يتم توفير فرص فاعلة أكثر للسماح
بزيادة تمثيل المرأة في المجالس
المنتخبة من خلال أنظمة معينة مثل حجز
مقاعد معينة اوا لقوائم المغلقة.))
ويمكن الأخذ بهذا المقترح من خلال
البدء في خطوات عملية للاخذ بنظام
القائمة النسبية ( نظام التمثيل
النسبي) بدلاً عن النظام المتبع
حالياً وهو نظام "الفائز الاول" مع
النص على وضع نسبة إلزامية لترشيح
النساء في قائمة الترشيح لكل حزب، بما
لا تقل عن 20% من مجموع القائمة وان
توضع أسماء المرشحات ضمن هذه النسبة
في موقع يحتمل الفوز.
وحتى يتم ذلك وفي ظل الاصرار على بقاء
النظام الانتخابي الحالي نقترح تحديد
حصة للنساء في المجالس المحلية ومجلس
النواب ومواقع صنع القرار بما يعادل
30% وذلك كإجراء مؤقت لحين تحقق
التكافؤ في الفرص والتعامل الذي نصت
عليه المادة (4) من اتفاقية السيداو.
ذلك انه بغير التدخل لتحقيق التكافؤ
في الفرص والمعاملة التي تنص عليها
اتفاقية القضاء على جميع أشكال
التمييز ضد المرأة سيظل الحديث عن
التمكين السياسي للنساء ضمن الحديث
الاستهلاكي المكرر في كل حدث
انتخابي."منتدى الشقائق العربي لحقوق
الإنسان" 